Archive Page 2

09
أكتوبر
14

رجلُ من مدينتنا 2 – فستانك الفيروزي أحلى ..


20141002573
اليوم هو اليوم المُنتظر إيّاه .. تستيقظين صباحاً مع شعور لم يسبق لك أن اختبرته .. تبقين في السرير لبرهة , لا تريدين النهوض .. تعلمين أنّ تفقد حسابك الفيسبوكي هذا الصباح لن يكون بتلقائية الأيام الماضية .. تعبث أصابعك الباردة النحيلة بأزرار الهاتف لا لسبب معين .. أنتِ تريدين إيطال فترة ما بين الاستيقاظ والنهوض ليس إلّا ..

تتساءلين عن موديل الفستان ولونه , هل هو أبيض أم أوف وايت أم بلانسير ؟ هل ستكون الطرحة طويلة أم قصيرة ؟ مكشكشة أم منسدلة ؟ .. وبدلته السوداء الأنيقة , كيف سيبدو بها ؟ هل ستنسدل تلك الخصلة على جبينه ؟ هل سيترك شعره ثائراً أبداً كما عهدتيه أم سيصففه بعناية لم تعرفيها عنه ؟
تقررين النهوض الآن .. تتوجهين إلى المرآة وتتأملين ملامح وجهك بعناية .. تأخذين نفساً عميقاً وتحاولين الابتسام .. من بعد هذا اليوم لن تبقي كما أنتِ, مدللة وطائشة وضعيفة .. هذا اليوم هو الفيصل في حياتك .. تشعرين الآن ببرودة البلاط تلسع رجليك فتسارعين إلى السرير لتتكومي على نفسك وتلتفي بذلك الوشاح الملون الذي أهداك إياه يوماً بعد إحدى الرحلات ..
والآن ؟ تفكرين .. هل حان الوقت لدخول حسابك الفيسبوكي ؟ .. تأخذين نفساً عميقاً ..
قد بتِّ تعلمين في هذه اللحظة كيف هي تصفيفة شعره ولون ربطة عنقه .. رأيك أنّ فستانها الأبيض ليس ” على الموضة ” .. إنك تكرهينها الآن أكثر من أي يومٍ مضى !
كيف جعلت الأيام هذه اللعبة الباردة تقف بجانبه هكذا إذاً ؟ تحاولين التفكير بمنطقية في هذه المعضلة الحزينة .. أنتِ تعرفين الإجابة لكنك فقط لا تتقبلينها ..
لقد كنت تشكلين جزءاً مهماً من عالمه الخيالي المجنون , هذا العالم الذي ينتشي بأشعة القمر ويرتوي بندى الزهر .. لقد كنتِ له فينوس وكليوبترا وغانية هندية في معبدٍ أسطوري سحيق .. وكان هو معبودك الإغريقي وشاعرك العربي وأميرك الشرقي المزركش .. جنونكما كان يعني اشتعال القمر ورقص الآلهة وتفتح الأزهار على جبال الألب .. أشياءٌ من تفاهات الحياة اليومية لم تكن في عالمكما قط , لا يهم ماذا ستأكلان أو أين ستنامان ما دمتما سويةً .. لم يؤرقكما يوماً وجود تلك الصفائح الورقية نتنة الرائحة التي يسمونها مالاً أو عدم وجودها .. لقاؤكما معاً كان يعني الحب .. والمزيد من الحب .. والُسكر في الحب فقط .. ولا شيء آخر ..
ولأنه رجلٌ من مدينتا يا هالة , يبدأ في سن معينة بالعودة إلى فوضى الحياة الواقعية وتفاصيل الأشياء اليومية .. يكتشف فجأة أنّه لا يزال يملك أماً تحرص على مصالحه بجنون وأنّه لا يزال طفلاً جداً أمامها .. يكتشف أنه يريد أن يصبح أباً وأن ابنة الحاج عمر صاحب معمل الصابون قد صارت صبيّة أنيقة ,تجيد صنع المأكولات بدءاً من معكرونة الإندومي وحتى أشهى أطباق ” القبيوات ” و” الفريكة ” ! .. ينظر إليك يا هالة فلا يرى أمامه سوى فتاة خارجة من عالم الأساطير لا تطيق المطبخ ولا تطيقها أمه ! .. يحاول أن يتخيلك تبدلين حفاض طفل رضيع فلا يستطع .. يبعد الفكرة فوراً من ذهنه .. فهذا لا يليق بفتاة القصر المرمري ..
ولأنه رجلٌ من مدينتنا يا هالة .. ترينه بعين خيالك متأبطاً ذراع أمه .. يبتسم في وجه اللعبة الشقراء تلك .. يحيط إصبعها المكتنز بالخاتم الذهبي .. ويصبح رجلاً حقيقياً من رجال مدينتنا البائسة .. تلك المدينة التي تحب الغرق في فوضى الحياة اليومية والتفكير بأشياء تعدينها تافهة من قبيل الطعام والشراب .. ألم يقل غوته على أية حال أن الحب ينتهي بالعيش المشترك والغرق في تفاصيل الحياة اليومية ؟ .. تعزين نفسك بأن السبب هو هذا .. وأن حبكما لم يُكتب له أن ينتهي ..
تغلقين الحاسوب .. وتهرعين إلى الخزانة لترتدي فستانك الفيروزي .. ذلك الفستان الذي قررتي أن تبدأي حياتك الجديدة بارتدائه .. وتبتسمين.. ستودعين إلى الأبد مدينتنا ورجل مدينتنا .. !

هديل خلّوف
8-10-2014

Advertisements
15
سبتمبر
14

الحياة جميلة .. والفن جميل .. وخطِر !


sjff_03_img0954

 انتهيت للتو من مشاهدة الفيلم السينمائي الإيطالي la vita e bella أي ” الحياة جميلة ” .. والحق يقال أن هذه هي المرة الأولى التي أشاهد فيها فيلماً سينمائياً يضحكني حتى تنهمر دموعي في نصفه الأول .. ويحزنني حتى تنهمر دموعي أيضاً في نصفه الأخير , حيث يندمج كل هذا في إطار فني سينمائي راقٍ لا يسعك إلا الإعجاب بأدواته .. ومالموضوع الذي يتناوله خذا الفيلم يا حزركم ؟ الهولوكوست ! .. يتحدث الفيلم عن “غويدو ” المرح الذكي ” الحربوء ” الذي يستخدم ذكاءه ومرحه للحصول على أميرته الجميلة الثرية .. ويفوز بها بعد كل تلك الكوميديا ويتزوجان ويعيشان في سبات ونبات ويخلفان صبيان وبنات .. آآ .. لا لا تنتهي القصة هنا بالطبع .. يصبح لديهم جوشوا الصبي الذي أخذ ذكاء أبيه وجمال أمه .. ينتهي الفصل الكوميدي المرح من حياة هذه العائلة وتبدأ التراجيديا مع سيطرة ألمانيا النازية على جزء كبير من أوربا في الحرب العالمية الثانية ( الفيلم يقع في تلك الفترة كما وقد خمنتم ) وتبدأ فظائع الهولوكوست , هذه الملحمة التي لم أتعاطف معها يوماً لأني أثق أنها تحتوي على الكثير من المبالغات والأكاذيب .. وبالطبع كون غويدو يهودياً وكذا جوشوا , تنضم أسرته إلى تلك الجموع البائسة المقادة نحو معسكرات الاعتقال النازية . وهنا تبدأ أجمل قصة حبكة سينمائية قد شاهدتها يوماً .. لتتركنا مع المشهد الأخير نبكي بتأثر .. ردة فعلي التلقائية .. لقد قلت أنّي لم أكن يوماً من أنصار التباكي على رماد الهولوكوست .. ليس الأمر أنّي لا أتعاطف مع اليهودي في ألمانيا النازية .. فاليهودي المدني هو إنسان مثله مثلنا .. لكني فقط أكره استغلالهم لهذه الحوادث والصراخ في كل مكان .. جميع الشعوب والأعراق والأجناس قد تعرضت في وقت ما لإبادات جماعية .. هل ترون أحدها يستغل تلك القصص لإدرار العواطف سوى الصهاينة واللوبي اليهودي ؟! .. أقول أنّي قد تأثرت بالفيلم حقيقة لدرجة البكاء .. هذا ما يفعله الفن .. إنه يغني عن ألف سلاح وألف عملية انتحارية وألف لحية .. هذا الفيلم يحتوي رسائل إنسانية صارخة لا تستطيع ألا تتعاطف معها .. وربما تبدأ جدياً في تصديق كل هذا في عقلك اللاواعي ! .. تعلموا أيها العرب .. تعلموا كيف تخاطبون العالم بلغة العصر هذا .. استغلوا الفن وأي أسلوب حضاري آخر لتتحدثوا عن حروبكم والإبادات الشنيعة التي حصلت بحقكم عبر التاريخ .. نحن من نستحق هكذا فيلم لا هم !

4

Glee هو مسلسل أمريكي أتابعه من فترة , للوهلة الأولى تعتقد أنّه مسلسل آخر من تلك المسلسلات التي تتحدث عن “الهاي سكول ” والمواعدة والقصص الأمريكية إيّاها , ثم تكتشف أنّ هناك قصة أخرى ..
لأكن صريحة جذبني المسلسل بسبب الأغاني التي فيه وتجديدها بتوزيعات موسيقية جديدة مع رقصات وأداءات عالية المستوى الفني ( هناك فيديوهات واستعراضات أشاهدها يومياً وأنبهر بها في كل مرة ) , غنّى أبطال مسلسل Glee الكثير من الأغاني القديمة والجديدة ووظفوها لتعبر عن قصة معينة في كل حلقة من حلقات المسلسل .. إلى هنا والأمور تمام ..
في الجزء الثاني من المسلسل تم التركيز أكثر على قضية المثلية الجنسية وأمور أخرى حساسة لا تزال تثير الجدل إلى اليوم في المجتمع الأمريكي الذي يُعتبر محافظاً إلى حد ما .. أمور مثل gay parenting , حمل المراهقات .. إلخ إلخ وتم إظهار هذه الأمور بشكل إيجابي جداً من خلال شخصيات تأسر الاهتمام ( مثل شخصية Kurt الذي لا تستطيع إلا أن تتعاطف معه ) .. طبعاً ترى في الجزئين أسماء صهيونية كنيتها Israel ( كصحفي المدرسة ) مع وجود أبطال يهود متدينين والتركيز على ” إسرائيل ” كدولة من خلال عرض بعض المخترعات في إحدى الحلقات ونسبها لعالم إسرائيلي ( هكذا !) ..
بغض النظر عن رأيي في المواضيع السابقة , فإن Glee نجح في إيصال و”تمريق” الكثير الكثير من الأفكار في صور فنية جميلة لا يستطيع عقلك اللاواعي أن يكرهها .. فما بالك بتقبلها مع الوقت ؟
ما أريد قوله أنّ الفن والأدب هما سلاحا العالم الحالي شئنا أو أبينا .. تستطيع تربية أجيال كاملة على ما تريده من الأفكار مهما بلغت تطرفها أو غرابتها .. هكذا هو التكتيك في هذا العصر .. ولانزل نحن إلى الآن نصر على أن نوصل أفكارنا عن طريق العنف والأصوات العالية ! .. من يريد توصيل منهج أو إيديولوجية ما عليه سوى أن يمتلك وسائل الإعلام كأداة , أو حتى قناة أدبية ما .. والتسويق مهم بالطبع مع الابتعاد عن المباشرة والضحك على عقل المتلقي ..
الفن .. الفن هو المسيطر وله كلمته الحاسمة .. أعرف أن كلامي هذا قد يبدو قديماً ومكرراً .. لكني أقف مبهورة أمام جرأة Glee ومنهجيته !
والآن أترككم مع هذا الفيديو من Glee :

14-9-2014

هديل خلّوف ..

13
سبتمبر
14

مدونتي في فوضى .. وكذا هي أفكاري !


62109_428062540609388_225994651_n
لا بد لكل واحدٌ منّا في لحظة ما من حياته بأن يتوقف قليلاً للتفكير في ذاته , ولا أقصد بكلامي هذا ذلك التفكير الذي يسبق النوم عادةً .. لابد وأنك مررت بلحظة ( أو أنك ستمر بها حتماً ) وقلت لنفسك فيها : هييييييه توقف .. إلى أين أنت ذاهب ؟! .. لحظتي أنا قد جاءتني منذ أيام لأقول فيها : من – أنا – حقاً – ومالذي – أريده- حقاً – من- حياتي – هذه ؟
أما من أنا , فقد اكتشفت أنّي قد أضعت جزءاً كبيراً من ذاتي في السنتين الماضيتين .. ما السبب ؟ ربما لأن العالم قد انقلب وارتج من حولي وصار لزاماً علي التكيف أو تضييع ذاتي كيلا يضيع عقلي ! .. قد يكون السبب أنّي قد كبرت أخيراً .. نضجت .. لأني أدركت أن الواقعية هي المجدية في النهاية .. كفاني سذاجة وعيشاً في الأساطير وقصص الأميرات الخيالية .. !
أما مالذي أريده في هذه الحياة , اتضح أني أريد الكثير من الأشياء .. الكثير والكثير لدرجة أنّ حياة واحدة لاتكفي .. بل هديل واحدة لا تكفي أيضاً !

طيب ما الحل ؟ أين أنا من كل هذا ومالذي أريده حقاً ؟

عدت إلى يومياتي القديمة .. أقرؤها وأعيش إحساس فوضى تلك الخطوط الزرقاء المكتوبة على عجالة .. هكذا إلى أن بدأت في استعادة نفسي ما قبل الحرب .. استعدت تلك الأيامات التي كنت أكتب فيها من على شرفتنا وبجانبي صحن كرز .. أو ملتحفة بذلك الغطاء الذي كنت أعشقه .. الملون جداً كثوب فلاحة روسية ..

أنا الآن في السادسة والعشرين جالسة في الظلمة على سرير لم يكن سريري قبل سنة من الآن .. أمام حاسوبي المخلص المتهالك الذي كان معي في كل تنقلاتي والذي احتوى عالمي الافتراضي كله .. أستمع إلى أغنياتي التي عرفتها في هذه السنتين وأغلبها تثير العاطفة بالمناسبة .. أنا الآن قد استعدت زمام نفسي وأخيراً وعدت إلى توازني القديم وكما تقول جنيفير لوبيز في أغنيتها التي تهدر الآن في أذني  ( ياللمصادفة ! ) : i guess i found my way .. it’s simple when it’s right .. feeling lucky just to be here tonight .. and happy .. just to be me .. and be alive ..

=)

22
يونيو
14

رجلٌ من مدينتنا ..


صوت المروحة الرتيب ولسعات البعوض يرهقان الأعصاب , لزوجة الهواء هذا .. وألم ضرس العقل .. هذا يوم مناسب جداً ليتحول إلى قاتل .. هكذا كان يفكر الموظف الحكومي حسام .. لقد قرأ مرة عن رجل قتل آخرين فقط لأنه كان يشعر بالحر ! .. جلس يتذكر أين قرأ هذا .. أين ؟ آ .. ألبير كامو ! .. ابتسم ساخراً وضرب بعوضة على قفا يده .. هاقد بدأ ينسى هذه الأشياء .. كامو وسارتر وفلسفة الوجودية والعبث أشياء صارت بعيدة جداً عن عالمه , مذ تحول من طالب جامعي متحمس إلى موظف حكومي .. لا لا .. ليس هنا .. لقد بدأ ينسى ذاك العالم مذ تعرف إلى سمر .. أحس بأنّه يكرهها عند هذه النقطة .
تررررن .. تررررررررررن .. ترررن .. آلو .. من معي ؟ .. اتصل بعد نصف ساعة فهناك الكثير من المراجعين .. أهلاً .
لملم أوراقه الفوضوية وخطر له أن يتصل بسمر , ثم فكر أن سيجارة مع فنجان القهوة الثالث سيكون مفعولهما مريحاً أكثر لأعصابه .. اتجه إلى النافذة وطفق يراقب المارة وهو يلعن الحياة التي لم تعرف قيمته .
في المساء كان الطقس أفضل وكان هناك بعض النسمات الصيفية .. رآها من بعيد ترتدي بنطال جينز مع كنزة صيفية وردية أهداها إياها يوماً , حيته بحماس طفولي وكأنها لم تره منذ أمد .. ثم جلست تثرثر عن يومها وعن صديقاتها وعن أساتذتها في المدرسة .. لو كان الآن في دولة أوربية متحضرة لاعتبر مذنباً إذ يواعد قاصراً .. أبعد هذه الفكرة عن ذهنه بعنف عندما تذكر أنّ ” نيته شريفة ” وأنّه سيتكلم مع أهلها قريباً بشأنها .. ستفوز هذه البلهاء برجل حقيقي سيكون له شأناً يوماً ما .. سحقاً للقوانين المتفزلكة التي تجعلنا نرى الأشياء على غير ما تبدو عليه !

كم تعجبه سذاجتها واندهاشها الدائم , وكم يشعر بالنشوة عندما يرى الانبهار في عينيها عندما يحدثها عن روسو وسارتر .. هو يعرف أنها ستنسى هذه الأسماء بمجرد ما ينقلب الحديث إلى تلك المرأة البدينة في الطاولة المجاورة أو إلى أغنية تلك المغنية الحديثة وهذا يزعجه أحياناً .. لكنه لا يستطيع إلاّ أن يحدثها عن هذه الأشياء .. هذه الأشياء التي يعشقها هو .. ألن يصبح فيلسوفاً يوماً ما كما تقول له سمر ؟في مساءٍ ما بعد عشر سنين من الآن , سيعود حسام إلى المنزل حاملاً بطيخة بيد وكيس ورقي يحوي خضراوات أخرى في اليد الثانية .. ستكون مقدمة رأسه صلعاء تلتمع بعض حبات العرق عليها .. سيلهث متعباً ويلعن هذه العيشة وهذه الحياة التي لم تعرف قيمته .. لكن ليلاً سيكون هناك سمر التي ستظل تضايقه بسذاجتها واندهاشها الطفولي أبداً .. ستعود وتملأ أذنيه بأحاديثها عن الجارات ومشاكل الأولاد الأزلية .. ثم سيحدثها هو عن كامو وروسو وسارتر .. ستتسع عيناها مجدداً في انبهار وكأنها تسمع عنهم للمرة الأولى , ثم ستؤكد له – بخبثها الفطري المتوارث – بأنه سيصبح مثلهم يوماً ما .. وسينام حسام راضياً عن نفسه وعن سمر وعن الحياة !
هديل خلّوف
22-6-2014

13
ديسمبر
13

بوح راشد !


رحلة التسوق لشراء الحفاضات والبقوليات ومتطلبات طبخة اليوم قد تصبح رحلة حقا .. رحلة إلى ذلك الجزء من عقلك الذي لم تدسه أفكارك منذ .. منذ أكثر من عشرين عاما .. رحلة إلى الماضي ..
هناك في قسم الألعاب رأيته .. في المركز التجاري في تلك المدينة الغريبة لكلينا , لم أكن أعلم أنه يعيش في هذه المدينة بالذات ..
لقد كان هو .. بقامته الممشوقة التي سحرتني في تلك الأيام السحيقة , بنظارته الطبية ذات الإطار الفضي , بصبيانية حركاته ونزقه .. لكنها الآن تلبس طقما رجاليا جدا ..
وهذه الخصلات الفضية أهي شيبا على فوديه ؟ مع فادي يكون كل شي ساحرا .. حتى الأربعينات من العمر .. هل تذكر أيامنا يا فادي ؟ هل تذكر تلك الشابة الطائشة المجنونة التي كنتها أنا ؟ هل تذكر ياسمين ؟
—————————————–
من قال أن المرأة في الأربعينات تكون في خريف العمر ؟ تعالوا إذا يا حمقى وشاهدوا ياسمين وهي في الأربعينات لتدركوا فداحة خطأ رأيكم هذا .. أعلم أن ما سأقوله سخيفا وربما لا يصدق ، لكني أقسم لكم بما تؤمنون به بأني رأيتها مصادفة في مركز تجاري في هذه المدينة الغريبة .. لم أكن أعلم أبدا أنها من طائفة المهاجرين ولم أتوقع يوما أن تكون .. أستطيع من موقعي هذا أن أرى ياسمين الجميلة التي زادتها الأربعينات شيئا محببا لا أستطيع وصفه .. خطوط الضحك حول عينيها قد أصبحت أوضح الآن فزادت وجهها إشراقا وجعلته مبتسما دون أن تضطر لافتعال الابتسام والضحك .. ياسمين الآن امرأة مكتملة .. أتساءل إن كانت لا تزال محتفظة بجنونها الشاب الذي قادني للجنون يوما أنا الآخر ..
————————————–
لقد تزوجت من أوربية إذن أيها الشقي .. قال لي هذا شعر طفلك الأصفر جدا .. ألا تزل ذلك المتحذلق المتمرد الذي يرفض الإيمان بأي شيء حتى حبنا في تلك الفترة ؟ مالذي علمتك ياه السنون العشرين الماضية ,ها ؟
كم أود لو أترك ما بيدي الآن وأركض لأعانقك وأتعلق بك بكل جسدي كما كنت أفعل سابقا .. كنت تقول لي بهلع : يا مجنونة , ألا تخافين من عيون الناس حولنا ؟ من أين تأتين بهذا الجرأة كلها يا فتاتي الشرقية ؟
كم أود .. كم أود أن أمتلك عصا سندريلا السحرية الآن , أو .. أو جني علاء الدين ..أو أية وسيلة أخرى لتعيدني إلى ياسمين أوائل العشرينيات .. لو كنت أعرف أني سألتقي بك هنا وفي هذا السن بالذات لارتديت غير هذه الملابس التعسة على الأقل .. لا أريد أن ترى من ياسمين ربة منزل اعتيادية بعدما كنت تراها ربة الجمال والشباب والجنون .. أوبس علي أن أترك علبة الحفاضات هذه من يدي على الأقل .. !
——————————
طفلتك التي تجلس في عربة المشتريات جميلة مثلك ياسمين .. ومظهرك وأنت تتبضعين وترمين علبة حفاضات الأطفال بشيء من العجلة والحرج يعزز في ذهني أنك أنثى حقيقية حقا .. أنثى قادرة على أن تكون عاشقة وحبيبة وزوجة وأما .. إمرأة حقيقية أنت ياسمين .. إن كان هناك ما ينقص في حياتي الماضية فهو رؤيتي لك بالفستان الأبيض .. من الوغد المحظوظ الذي تزوجك ؟ إن التقيت به يوما ما فسأقول له : وغد محظوظ أنت .. حافظ على الياسمين واعتن به ..
كم كنت أحمقا أنا إذ لم أفهم علم الأزهار .. أنا لا أستحق الياسمين ولا الجوري ولا أية ورود محلية ..
رفعت نظارتي إلى فوق أنفي وتظاهرت بالوقار والتحذلق .. ألم تعشق هي هذا يوما ما ؟
………………………………
في أحد المراكز التجارية , وفي قسم الألعاب بالذات , مرت عربتا تسوق باتجاهين متعاكسين وتلامستا للحظة عابرة من جانبيهما .. كان وراء الأولى رجل وسيم أشيب الفودين يركض ابنه وراءه حاملا لعبة .. الثانية تدفعها امرأة اعتيادية المظهر يبدو أنها تتسوق تسوقها اليومي ولا تعير انتباها كبيرا لبكاء طفلتها المزعج ..
في لحظة تلامس العربتين التقت أعينهما وأعطى كل منهما ابتسامة راشدة مهذبة مع هزة بالرأس تفيد بأن كل منهما قد عرف الآخر .. ثم مضى كل واحد بطريقه يلوك خيالاته الشابة وأسئلته التي استيقظت دون أن ترى النور أو الإفصاح !
هديل خلوف
٧ -١٠ – ٢٠١٣

04
يوليو
13

لحظة ما ..


صورة

في اللحظة صفر كان المشهد مظلماً جداً..

أعرف أنّ ما سأقوله قد يبدو مستهلكاً للبعض .. محزناً للأغلب .. مؤلماً بالنسبة إلي .. لكني سأتحدث على أية حال .. سأتحدث عما قبل اللحظة صفر أيها السادة .. عن الوقت الذي كانت لي فيه عيوني الخاصة ولوني الخاص وكياني الملموس الخاص .. كانت مسطرة الـ”تي” صديقتي اليومية وتذكرتي للمستقبل وهي رافقتني حتى اللحظة صفر بالمناسبة في معاهدة طيبة منها على ملازمتي في السراء والضراء , لكن .. دعكم منها .. دعوني أتحدث عن سارة .. سارة إن كنتم لم تستنجوا ذلك فهي الفتاة التي أحلم بها وأعيش لأجلها وأدرس بل وأحب الهندسة كرمى لها .. في تلك اللحظات ما قبل اللحظة صفر كنت أحدثها على الهاتف وكانت هي تضحك بتلك الطريقة التي أعشقها .. كانت تسألني إذا ما كنت قد درست جيداً لأنقلها أثناء الامتحان , وكنت أنا أجيبها بـ (لا ) ضاحكا .. سارة تثرثر .. سارة تمزح .. سارة تضحك .. وبوووووم .. سارة يتلاشى صوتها ويبتعد ..

 

في اللحظة صفر كان للهواء ثقل ..

لا تسخروا من مظهري رجاء .. أعرفكم أنتم أبناء المدن عندما ترون قروية عجوز تلبس ذلك الثوب المليء بالأزهار كيف تتهامسون وتنظرون بتعالٍ أحياناً خصوصاً إذا ما كنتم إناثاً .. نعم أنا قروية عجوز ألبس من تلك الأثواب وذقني مليئة بالوشوم الخضراء .. هه ما رأيكم ؟ بعد اللحظة صفر لا يعد الإنسان يهتم بكل تلك الفوارق والمظاهر وآراء غيره أيضا .. تقولون مالذي كنت أفعله هناك إلى جانب طالب الهندسة المتعالي الذي يقهقه على الهاتف ؟ أنا أبيع الخبز .. بعدما صار بيتي كومة غبار انتقلت إلى المدينة لأجرب حظ ما تبقى من حياتي .. تلك المدرسة صارت بيتي الجديد وبيع الخبز صارت مهنتي الجديدة لآكل .. قبل اللحظة صفر كنت أتنسم عبق الخبز الجاثم في حضني وكنت راضية عن كل شيء تقريباً , لا بد أن لرائحة الخبز مفعول تخديري ما كتلك العشبة التي كان زوجي رحمة الله عليه يلوكها .. إذن كنت أتشمم الهواء الزكي وأمسد الأرغفة شاعرة بالأمان والدفء عندما بوووووم .. ولا شيء ..

 

في اللحظة صفر تختفي الجاذبية..

لماذا سميت باللحظة صفر على كل حال ؟ هل معنى هذا أن الحياة قبلها كانت سالبة مثلا ؟ ثم لحظة .. إذا افترضنا أن اللحظة صفر نقطة محورية فما هي الأبعاد المشكلة لتلك المحاور ؟ وأين أنا من الفراغ الذي يحيط بنقطة العلام تلك ؟ هييييييه أنا لا أنسى قط أني كنت أدرس الرياضيات .. أنا أيها السادة حالمة جدا وكنت على وشك أن أخرج بقصيدة رائعة بينما أسند رأسي إلى النافذة وأسمع لأغاني فيروز .. لم أحب ما أدرسه قط على الرغم من أني كنت بارعة فيه .. تستطيعون القول أني من أولئك متعددي المواهب الذين يرون في أنفسهم قدرات جديدة يوميا .. قبل اللحظة صفر كنت واعدة جدا .. حيوية جدا .. جميلة جدا .. ‘ في أمل .. إييه في أمل .. أوقات بيطلع من م.. ‘ وبووووم !

 

في اللحظة صفر لا يستطيع المرء أن يكون على طبيعته ..

من قال أن هناك أجمل أو أذكى من أطفالي ؟ من قال أن زوجي ليس أروع رجل في الكون ؟ نعم .. أنا كنت أقول هذا ! يا إلهي لا أصدق كم كنت غبية قبل اللحظة صفر ! أشتاق إليهم الآن جدا وأحسد نفسي قبل تلك اللحظة , فتاة الرياضيات المتحذلقة التي كانت بجانبي ستقول لكم أن الإنسان هو عبارة عن نسخ لا متناهية تعيش في آن معا في أبعاد مختلفة وأنه ليس هناك ماضٍ ولا مستقبل .. معنى هذا أن نسختي الماضية بنظري هي الآن في بعد ما توبخ أطفالها وتلوم زوجها لأنه ليس أروع رجل في العالم .. أرجوك يا نسختي .. أنت لا تريدي أن تمري باللحظة صفر المريعة لكي تدركي ذلك .. كنت أقول للسائق أن يتوقف على الزاوية عندما بووووم !!

 

في اللحظة صفر تلعن الساعة التي أصبحت فيها سائق ميكرو عمومي !

أنا السائق إياه .. وباصي المنكود سيء الحظ كان في المنطقة التي فجر فيها انتحاري ما باصه .. شتان ما بين سائق وسائق .. أنا سائق أحترم مهنتي ولا أقوم بتفجير نفسي من أجل أشياء لا أعرف شيئا عنها ..لابد أن ذلك الانتحاري هو نفسه الذي ‘ دوبل علي ‘ وانهالت عليه شتائمي .. هذا الانتحاري عار على المهنة والحق يقال .. لم أعد أسمع شتائمي في اللحظة صفر .. فقط لعنت حظي في سري ..

 

(نحن مجرد عينة من أبناء اللحظة صفر خطر لنا فقط أن نشارككم لحظة محورية غيرت حياتنا حرفيا .. لحظة تسمعون عن نتائجها في نشرات الأخبار كثيرا دون أن تعلمون ما كانت عليه تلك الأشلاء التي ينتشلونها بالملاقط .. يقول جيم كاري في عالمكم ‘ الحياة شيء مضحك مضحك ‘ .. أما نحن فنقول ‘ الحياة شيء عبثي عبثي ‘ .. يجب أن تكونوا أشخاصا يضجون بالحيوية والأحلام وينسف كل ذلك بلحظة لكي تفهموا ما نعنيه .. هكذا علمتنا اللحظة صفر فلا تلومونا ! )

٢٤-٠٦-٢٠١٣

 هديل خلّوف

12
مايو
13

فيمينيست !


24-feather

لرائحة الكولونيا تلك ألف حكاية وحكاية عند بيترا , يشابه تأثيرها تأثير عبق أوائل الربيع برائحة نسغ عشبه المجزوز مختلطا بالرطوبة الناتجة عن مطر الصباح ..
أفاقت قبله – كما كل يوم – بنصف ساعة وهي المدة التي تكفيها لكي تعد له الفطور , قبل أن تنهض من السرير تحب مراقبته وهو نائم .. ثم تبدأ بالنظر إلى أشيائه الكثيرة , شرائط ألعاب الفيديو .. كتبه المبعثرة .. نظارته ذات الإطار الفضي والموضوعة بعناية على الكومود بجانبه .. لا تصدق إلى الآن أنها أصبحت جزءا من عالمه !
معه فقط تعلمت أن تترك كل الهراء الذي كانت تنادي فيه عن ضرورة مساواة المرأة بالرجل تماما وعن إلزام الرجل بالعمل داخل المنزل مثله مثل المرأة , لو أن إحدى صديقاتها قالت لها قبل سنة من الآن أنها تستيقظ قبل زوجها لتعد له الفطور لصدعت رأسها بمحاضرات من طراز ‘ كرامة المرأة ‘ و ‘ محو ثقافة الجواري من العقل اللاواعي عند المرأة ‘ وبلا بلا بلا .. ابتسمت وهي تقشر له التفاح – ثمار الخطيئة الأولى – ستقدمها له بعد قليل كما فعلت أولى جداتها .. ستبتسم له عندما يبدأ بالتذمر بخصوص الشاي الساخن الذي أحرق فمه وربما ستؤنب الكوب الشرير أمامه كما تفعل أمام أي طفل يقع في هذا الموقف .. ألم تقل لها جدتها يوما أن الرجال ليسوا سوى أطفال كبار ؟ وقتها احتجت وقالت للجدة : بل هم مشاريع قتلة .. جميعهم ..
رائحة الكولونيا تلك .. كم تثير في نفسها من ذكريات !
عادت إلى الغرفة وهي تحمل الطعام , بدأت بإيقاظه بطريقتها ذاتها .. خللت أصابعها بخصلات شعره الثائرة أبدا .. وبدأت بمناداة اسمه بصوت خافت .. يستيقظ هو دوما هكذا ..
قبل سنين عديدة عرفت هذه الرائحة للمرة الأولى عندما كانت في بريطانيا , وجدتها رائحة غريبة عن المكان وقتها .. بريطانيا حيث كانت تحضر رسالة دكتوراة حول قضية من تلك القضايا المتعلقة بالمرأة .. كان هناك الكثير من المؤتمرات حول المرأة في الشرق الأوسط والعنف النفسي الذي يمارس ضد المرأة في العالم بشكل عام .. في هذه المحافل كانت بيترا دائما هناك .. وفي تلك المحافل كان هو هناك أيضا !
في أوائل العشرينيات من عمرها كان هناك وسيم الذي أحبته لكنها لم تستمر معه بسبب طموحها بالسفر وإكمال الدراسة .. في الثلاثينات أصبحت من أولئك النسوة اللواتي وصلن إلى مرحلة من كره الرجال تصل إلى أن يكرهن أنوثتهن بسببها .. ثم ظهر هو ..
لا تعرف كيف استطاع شاب مثله جذب اهتمامها وقلب مفاهيمها ..
راقبته وهو يأكل وابتسمت .. لم تكن تعتقد يوما أن أشياء مثل إعداد الفطور لرجل وترتيب أشيائه قد يجلب لها السعادة .. اكتشفت في نهاية نضالها أن الحب عند الأنثى هو شكل من أشكال الأمومة التي لا تستطيع معه المرأة مقاومته عندما تكتشف ذلك الطفل الموجود في رجل ما تلاقت حياته بحياتها في إحدى نقاط الزمان والمكان المشتركة .. فكرت في أن عليها إعادة النظر في شهاداتها التي حصلت عليها سابقا .. !
هديل خلوف
١٠-٠٥-٢٠١٣




أقسام المدونة

عدد الزيارات

  • 22,590 زيارة جميلة =)

إن كنت مهتماً بما أكتبه , يمكنك أن تسجل عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد =)

انضم 22 متابعون آخرين