Archive for the 'قصة قصيرة' Category

21
أكتوبر
17

تعدد الزوجات والحمق الذي يحيط به! 


في أحد غروبات الفيس هناك تلك الفقرة التي يبعث فيها من يشاء قصة حياته للأدمن ليقوم بنشرها تحت رقم.. الجميل في هذه القصص أنها كلها صادقة وواقعية وحدثت لأشخاص حقيقيين يعيشون فيما بيننا.

في إحدى تلك القصص تروي إحداهن قصة زواجها السعيد الذي دام لتسعة سنوات قبل أن تكتشف أن زوجها قد تزوج بأخرى دون علمها! وهنا بدأ العذاب.. فهي قد نفرت منهه واعتبرت القصة خيانة لها وصار هناك، كما لابد أن نتوقع شرخ كبير في توازنها النفسي.. بالطبع طلبت الطلاق لكن -زوجا توسل أن تبقى معللاً أنه يحبها.. وقلبها الشرشوح أخبرها أنها في داخلها تحبه لازالت! لكن.. بنفس الوقت من غير الممكن أن تتقبل أن تشاركها أُخرى فيه!

هذه دوامة نفسية حقيقية.. أرى مجرماً حقيقياً وحيداً فيها وهو الزوج.. الذي وبأنانية كاملة ترك 3 أطفال معلقين بين زوجة مكلومة تشعر بالخداع والخيانة وبين أم لا ترضى أن تخرب توازن حياتهم بتركها لأبيهم!

القصة ليست غريبة وتحدث في عشرات – إن لم يكن المئات- في البيوت السورية.

ما استفزني هو التعليقات الناصحة الكثيرة بأن تصبر وتتحمل.. لا لا بل هذه الجملة بالذات : الزلمة ما عمل لا عيب ولا حرام.. هاد شرع الله!

لا.. لا يمكن أن يكون هذا شرع الله يا حمقى.. شرع الله أو الطبيعة الكونية تكون متوائمة مع الفطرة الإنسانية العامة.. فلينظر كل رجل في نفسه، أيرضى أن يشاركه المرأة التي يحب رجلاً آخر؟ الجواب هو ذاته في جوف كل امرأة.. في الحقيقة لا يرضى أي إنسان “سوي” أن يكون هناك شريك جنسي آخر لشريكه في نفس الوقت.

ماذا عن تعدد الزوجات إذن؟

الحالة الوحيدة التي أفهم فيها هذه الظاهرة وأتقبلها هي عند موافقة الزوجة الأولى على أن يكون لزوجها شريكة أخرى.. وعند معرفة هذه الشريكة بموافقة الزوجة.. الاثنتنان راضيتنان بهذا؟ حسنٌ إذاً..هناك الكثير من الاستثناءات النفسية.. ما دخلنا..!

بينما في الزواج بأخرى دون معرفة الزوجة الأولى وموافقتها قبل ذلك.. فالرجل ببساطة خاااائن ويستحق الرجم يا أصحاب شرع الله! (أنا ضد الرجم.. لكني أتكلم بمفهومكم)
عندما تعي المرأة ذلك.. والأهم عندما تتوقف عن أن تكون عدوة لبنات جنسها.. عندها فقط ستتوقف هذه القصص المحزنة والظلم. وإن حدث لها مثل هذا، فسوف تمتلك القوة الكافية لتترك هذا الزوج ليكون لها الحق هي الأخرى بأن تمون مع شخص آخر يقدرها بالقدر الكافي.

وبالنسبة للرجال صاحبي العبارة الممجوجة والأسطوانة المشروخة ليبرروا هذا الأمر بحجة أن عدد النساء دائماً أكبر من عدد الرجال فأقول: في الصين اليوم يفوق عدد الرجال النساء بمراحل.. ما رأيكم بأن يتنزل ملاك من السماء ليحلل تعدد الأزواج حلاً للمشكلة؟ ما رأيكم.. هه؟ 

هديل خلّوف
21-10-2017

Advertisements
24
أغسطس
17

كي لا أنسى .. فرح..


وصل في الثامنة والنصف ليراها جالسة خارجا .. صامتة متحفزة كالقطة التي بجانبها .. أدار المفتاح وفتح الباب لتندفع إلى الداخل هي والقطة .. اعتلت الكرسي “عربشة” وألقت بثقل الحقيبة الصفراء الصغيرة على الطاولة أمامها ثم فردت ألوانها وبدأت بالرسم .. 
قرر أن طاولته اليوم بحاجة إلى التنظيف ، نقل ما عليها إلى الكرسي بجانبه .. وبدأ برش سائل التنظيف ومسحها بقماش قطني .. 
تنبهت الصغيرة واهتزت خصلات شعرها المربوطتين كأذني قطة وهرعت لتمسك سائل التنظيف بصعوبة وبدأت برشه على الكراسي الجلدية المغبرة .
“فتاة جيدة فرح ” قالها بمرح وتابع التنظيف ..
عند الانتهاء أعادا الأغراض سوية إلى المكتب .. لفت نظرها مثقاب الورق وقضت الوقت جذلة وهي تثقب الأوراق هنا وهناك مشكلة فوضى طفولية محببة .
ركضت القطة خارجا فتبعتها فرح وأعادتها .. ” تحبين القطط فرح ؟ ” .. بعد برهة صمت حدجته فيها بعينيها الزيتونيتين الواسعتين .. احتضنت القطة بيدها الوحيدة وقالت بصوت خافت متردد ” بحبن .. بحبن كتير ”
انتبه إلى أنها المرة الأولى التي يسمع فيها صوتها !

اعتاد الموظف الحكومي أبو عبدو أن تكون فرح ذات الأعوام الأربعة ضيفة شبه يومية في مكتب المديرية .. عند تلك الطاولة التي بقرب النافذة كانت تخلق عالمها وتلونه بل وتعيش فيه .. لم يكن في عالمها هذا قنابل وقذائف تقطع الأيدي وتخرب البيوت .. وكانت علاوة على هذا لها غرفتها وطاولتها ككيان مستقل .. ألم تصبح هذه المديرية بيت أبويها مذ اندلعت الحرب ؟ ألم يصبح اسمها “ابنة المقيم” ؟
هاقد انتهى الدوام .. بدأ الموظفون بالترتيب للخروج من مكاتبهم .. انتبهت فرح وخرجت من عالمها ورتبت أغراضها في حقيبتها الصفراء بصمت أبدي .. جرجرتها وراءها بيدها الوحيدة تتبعها قطتها .. أراد أبو عبدو أن يهرع إلى أبيها ليبشره بأن ابنته قد عادت إلى الكلام وأخيرا .. ثم انتبه أنها لاتزال تملك يدا وحيدة .. أقفل مكتبه وانصرف ..

هديل خلوف
23-08-2015

11026107_896260633754424_2920220930980148841_o

28
يوليو
17

يوم =)


لم يكن ذلك اليوم مميزاً بشكل خاص , فالشمس لن تتحول إلى اللون الأزرق وطائر السنونو سيظل يحلق ويصدر تلك الأصوات المؤلمة .. لا لم يكن يوماً معلّماً على الروزنامة بدائرة حمراء أو إشارة x صغيرة ..
كان يوماً من أيام آذار , ذلك الشهر المزاجي جداً ..
ارتدت لميا ما ترتديه عادةً ومارست طقوسها نفسها قبل أن تخرج من المنزل , الطرقات المملة هي نفسها وسوف ترى الأشخاص إياهم ممن تراهم كل يوم .. أحياناً ترواد نفسها أمنية أن ترى مخلوقاً عجيباً قادماً من الفضاء الخارجي ( على ألّا يكون لونه أخضر أرجوكم ! ) , كيف تصبح محظوظة مثل أولئك الذين تعج بهم الكتب التي تتحدث عن اليوفو والمركبات الطائرة ؟ .. أوووف .. فتحت مظلتها وتابعت السير ..
لم لا تطير كسنبل ؟ أو تتحول مظلتها إلى قبعة الإخفاء ؟ أو .. أو تنقلب بفعل الهواء الشديد مثلاً فتضحك هي ومن رآها من المارة ؟ سيكون هذا مسلياً للحظة على الأقل .. تخيلت ألا يكون معها مظلة أبداً ويشتد المطر ويشتد فتهرع لتقف تحت أحد المباني , وهناك من الزاوية يخرج شاب يرتدي معطفاً أنيقاً يمشي مسرعاً مطرقاً كالمحققين , ثم .. ثم يراها واقفة مبتلة مرتجفة وحيدة كقطة فيمد لها يده بالمظلة وتبدأ أجمل قصة حب في تاريخ البشرية ! .. واو .. ” ولكن .. لنفكر بعدل .. هذه بداية مبتذلة جداً التهمتها آلاف الروايات والمسلسلات .. لا أريد أن ألتقي بفارس أحلامي على هذه الطريقة القديمة .. مظلتي عودي إلي أرجوكِ ! ” .. اشتد الهواء واشتد المطر , وبدأت المظلة فعلاً ترواغ بين أيدي صديقتنا ! وهنا خطرت لها فكرة !
“ماذا لو تركت المقود لمظلتي ؟ سوف تلعب محل الذراع التي تقود تلقائياً إلى الأحرف في جلسات تحضير الأرواح .. سوف أقوم بتحضير طريقي اليوم ! ”
تطير المظلة إلى اليمين فتستدير لميا إلى اليمين وتتابع المشي , وهكذا صار تمشي ومظلتها تسبقها .. وهي تمسك بكلتا قبضيتها عليها لئلا تفلت ..
خمدت الريح وتوقف المطر تدريجياً , اضطرت لميا آسفة على إغلاق المظلة ورذاذ المطر الربيعي قد بات يضرب وجهها الآن .. وقفت في تقاطع طرق , إلى جانب بحيرة صغيرة كونها المطر .. احتارت ماذا تفعل .. لم تقدها المظلة إلى “أرض العجائب ” أو حتى إلى مدرستها على الأقل ! لقد انتهت اللعبة وعليها أن تعود الآن إلى طريقها القديم ..
تأخرت لميا ربع ساعة عن الصف , لأول مرة في حياتها تتأخر عن دروسها ولدهشتها الشديدة كم وجدت لذة في ذلك !
منذ ذلك اليوم , قررت لميا أن تجرب أشياء جديدة .. طرقاً جديدة .. مشاعراً جديدة .. ألعاباً جديدة .. اكتشفت أن الحياة في حد ذاتها تحوي ألف قصة مغامرات وألف رواية .. لا تحتاج إلى رؤية كائن فضائي أو أن تطير بمظلتها لتصبح سعيدة .. عليها أن تكسر عاداتها فقط ..

هديل خلّوف

26.07.2014

18157029_1325988134115003_5041472568287028010_n

23
يناير
15

طاحونة اللون الأرجواني..


image

في طفولتي ، كان هناك ذلك المسلسل الفنزويلي المخصص لليافعين والذي كان يدعى “شلة السبعة ” .. كنت شغوفة بهذا المسلسل وأستطيع القول أني كنت أنتظره بالساعة والدقيقة .. شلة السبعة هؤلاء هم سبعة أطفال أشقياء يقطنون في ذات المبنى ويؤلفون شلة للمرح واللعب،  وكان هنالك بالطبع الشخصية الشريرة المتمثلة ب”لولا” منظفة الدرج والتي كانت تمنعهم من اللعب على درج البناية وتحيل حياتهم جحيماً ( بالطبع كنت أراها شريرة وقتها كوني كنت ألعب على درج البناية بدوري ،  لكني الآن أرى أن معها كل الحق في ذلك)  .. المهم .. كانت الشلة تتألف من أربعة صبيان وثلاث فتيات على ماأذكر .. كانوا واسعي الخيال والحيلة إذ استبدلوا مكان لعبهم على الدرج باجتماعهم في قبو المبنى – وذلك اتقاءً لشر لولا – وهناك اتضح لهم أن قبو المبنى ليس قبواً عادياً ! كان هناك صندوق ناطق وكائنات عجيبة وبعداً آخر من الحياة يقيم هناك على الجانب الآخر من الحائط .. حلقات المسلسل كانت متعة ومشبعة للخيال .. ثم جاءت تلك الحلقة التي استيقظت فيه فانيسا الرقيقة اليافعة لتجد أن جسدها قد سلك طريق البالغين !
تنزل فانيسا إلى القبو لتجتمع مع الشلة كما اعتادت أن تفعل لتكتشف هناك أن القبو قد استحال قبواً عادياً !  تستفسر من الشلة متعجبة فيتعجبون منها أكثر ويأكدون لها أن كل شيء على حاله .. هو ذا الصندوق الناطق وذاك هو الجدار السحري وكيف لا ترينها يا فانيسا؟ !
بونيتو ( أصغر أفراد الشلة وأكثرهم ذكاءً ) يشغله موضوع فانيسا فيبدأ باستنطاق الصندوق عن ذلك عندما يتركونه في القبو .. ولأن الصندوق يعلم كل شيء ، يجيب بأن فانيسا قد خطت اليوم أول خطوة في عالم البالغين وأنها لم تعد منهم ولذلك فهي لن تعود قادرة على رؤية عوالم أخرى عدا عالم الواقع !
لقد ارتدت فانيسا نظارة الواقع إذاً .. وأصبح القبو قبواً عادياً بكراكيبه التي تنتمي إلى العالم المنطقي .. لا كائنات عجائبية .. لا صندوق ناطق ..لا سحر ..
لا أعرف لم أتذكر فانيسا كثيراً في هذين اليومين!  الأمر ربما أني قد بدأت أنا الأخرى بارتداء النظارة المقيتة تلك .. تلك الجذوة التي تحملها روحي والتي تقوم بتغذية عالمي الافتراضي الخاص بي صارت أضعف وأضعف مع كل ذاك الغبار والضوضاء التي تنهال من عالم الواقع عليها.. الأمر أني قد صرت أكثر ارتباطاً بعالم الواقع يوماً عن يوم دون إرادة مني،  إن سني ومركزي الاجتماعي قد باتا يفرضان علي أشياءً وقوالباً لم أكن أتعامل معها قبلاً.. والعوالم الساحرة التي يتناولها الأدب والسينما قد باتت بعيدة جداً والتماهي معها صار ترفاً لايسمح به وقتي أو مسؤولياتي .. عالم البالغين اللعين بواقعيته وصرامة قواعده قد دخلته فانيسا عبر نضج جسدها وأنا عبر وفاة آخر شيء يربطني بالعالم الذي أوجدته لنفسي يوماً ..
لكن تعلمون ماذا؟  أنا لست فانيسا التي لا تستطيع السيطرة على نمو جسدها .. انا الآن أعرف المشكلة ولايزال بإمكاني إنقاذ ما تبقى من الجذوة .. سأحاول ما أمكن اعتزال هذا العالم الممتص للطاقة الروحية ولو كلفني ذلك أن أصبح متوحدة مع ذاتي .. سأقاوم طاحونة الخيال هذه.. وسأسترجع قبو الأشياء السحرية ذاك لأنقذ ماتبقى من اللون الوردي !
                                                        هديل خلوف
23-01-2015

09
أكتوبر
14

رجلُ من مدينتنا 2 – فستانك الفيروزي أحلى ..


20141002573
اليوم هو اليوم المُنتظر إيّاه .. تستيقظين صباحاً مع شعور لم يسبق لك أن اختبرته .. تبقين في السرير لبرهة , لا تريدين النهوض .. تعلمين أنّ تفقد حسابك الفيسبوكي هذا الصباح لن يكون بتلقائية الأيام الماضية .. تعبث أصابعك الباردة النحيلة بأزرار الهاتف لا لسبب معين .. أنتِ تريدين إيطال فترة ما بين الاستيقاظ والنهوض ليس إلّا ..

تتساءلين عن موديل الفستان ولونه , هل هو أبيض أم أوف وايت أم بلانسير ؟ هل ستكون الطرحة طويلة أم قصيرة ؟ مكشكشة أم منسدلة ؟ .. وبدلته السوداء الأنيقة , كيف سيبدو بها ؟ هل ستنسدل تلك الخصلة على جبينه ؟ هل سيترك شعره ثائراً أبداً كما عهدتيه أم سيصففه بعناية لم تعرفيها عنه ؟
تقررين النهوض الآن .. تتوجهين إلى المرآة وتتأملين ملامح وجهك بعناية .. تأخذين نفساً عميقاً وتحاولين الابتسام .. من بعد هذا اليوم لن تبقي كما أنتِ, مدللة وطائشة وضعيفة .. هذا اليوم هو الفيصل في حياتك .. تشعرين الآن ببرودة البلاط تلسع رجليك فتسارعين إلى السرير لتتكومي على نفسك وتلتفي بذلك الوشاح الملون الذي أهداك إياه يوماً بعد إحدى الرحلات ..
والآن ؟ تفكرين .. هل حان الوقت لدخول حسابك الفيسبوكي ؟ .. تأخذين نفساً عميقاً ..
قد بتِّ تعلمين في هذه اللحظة كيف هي تصفيفة شعره ولون ربطة عنقه .. رأيك أنّ فستانها الأبيض ليس ” على الموضة ” .. إنك تكرهينها الآن أكثر من أي يومٍ مضى !
كيف جعلت الأيام هذه اللعبة الباردة تقف بجانبه هكذا إذاً ؟ تحاولين التفكير بمنطقية في هذه المعضلة الحزينة .. أنتِ تعرفين الإجابة لكنك فقط لا تتقبلينها ..
لقد كنت تشكلين جزءاً مهماً من عالمه الخيالي المجنون , هذا العالم الذي ينتشي بأشعة القمر ويرتوي بندى الزهر .. لقد كنتِ له فينوس وكليوبترا وغانية هندية في معبدٍ أسطوري سحيق .. وكان هو معبودك الإغريقي وشاعرك العربي وأميرك الشرقي المزركش .. جنونكما كان يعني اشتعال القمر ورقص الآلهة وتفتح الأزهار على جبال الألب .. أشياءٌ من تفاهات الحياة اليومية لم تكن في عالمكما قط , لا يهم ماذا ستأكلان أو أين ستنامان ما دمتما سويةً .. لم يؤرقكما يوماً وجود تلك الصفائح الورقية نتنة الرائحة التي يسمونها مالاً أو عدم وجودها .. لقاؤكما معاً كان يعني الحب .. والمزيد من الحب .. والُسكر في الحب فقط .. ولا شيء آخر ..
ولأنه رجلٌ من مدينتا يا هالة , يبدأ في سن معينة بالعودة إلى فوضى الحياة الواقعية وتفاصيل الأشياء اليومية .. يكتشف فجأة أنّه لا يزال يملك أماً تحرص على مصالحه بجنون وأنّه لا يزال طفلاً جداً أمامها .. يكتشف أنه يريد أن يصبح أباً وأن ابنة الحاج عمر صاحب معمل الصابون قد صارت صبيّة أنيقة ,تجيد صنع المأكولات بدءاً من معكرونة الإندومي وحتى أشهى أطباق ” القبيوات ” و” الفريكة ” ! .. ينظر إليك يا هالة فلا يرى أمامه سوى فتاة خارجة من عالم الأساطير لا تطيق المطبخ ولا تطيقها أمه ! .. يحاول أن يتخيلك تبدلين حفاض طفل رضيع فلا يستطع .. يبعد الفكرة فوراً من ذهنه .. فهذا لا يليق بفتاة القصر المرمري ..
ولأنه رجلٌ من مدينتنا يا هالة .. ترينه بعين خيالك متأبطاً ذراع أمه .. يبتسم في وجه اللعبة الشقراء تلك .. يحيط إصبعها المكتنز بالخاتم الذهبي .. ويصبح رجلاً حقيقياً من رجال مدينتنا البائسة .. تلك المدينة التي تحب الغرق في فوضى الحياة اليومية والتفكير بأشياء تعدينها تافهة من قبيل الطعام والشراب .. ألم يقل غوته على أية حال أن الحب ينتهي بالعيش المشترك والغرق في تفاصيل الحياة اليومية ؟ .. تعزين نفسك بأن السبب هو هذا .. وأن حبكما لم يُكتب له أن ينتهي ..
تغلقين الحاسوب .. وتهرعين إلى الخزانة لترتدي فستانك الفيروزي .. ذلك الفستان الذي قررتي أن تبدأي حياتك الجديدة بارتدائه .. وتبتسمين.. ستودعين إلى الأبد مدينتنا ورجل مدينتنا .. !

هديل خلّوف
8-10-2014

22
يونيو
14

رجلٌ من مدينتنا ..


صوت المروحة الرتيب ولسعات البعوض يرهقان الأعصاب , لزوجة الهواء هذا .. وألم ضرس العقل .. هذا يوم مناسب جداً ليتحول إلى قاتل .. هكذا كان يفكر الموظف الحكومي حسام .. لقد قرأ مرة عن رجل قتل آخرين فقط لأنه كان يشعر بالحر ! .. جلس يتذكر أين قرأ هذا .. أين ؟ آ .. ألبير كامو ! .. ابتسم ساخراً وضرب بعوضة على قفا يده .. هاقد بدأ ينسى هذه الأشياء .. كامو وسارتر وفلسفة الوجودية والعبث أشياء صارت بعيدة جداً عن عالمه , مذ تحول من طالب جامعي متحمس إلى موظف حكومي .. لا لا .. ليس هنا .. لقد بدأ ينسى ذاك العالم مذ تعرف إلى سمر .. أحس بأنّه يكرهها عند هذه النقطة .
تررررن .. تررررررررررن .. ترررن .. آلو .. من معي ؟ .. اتصل بعد نصف ساعة فهناك الكثير من المراجعين .. أهلاً .
لملم أوراقه الفوضوية وخطر له أن يتصل بسمر , ثم فكر أن سيجارة مع فنجان القهوة الثالث سيكون مفعولهما مريحاً أكثر لأعصابه .. اتجه إلى النافذة وطفق يراقب المارة وهو يلعن الحياة التي لم تعرف قيمته .
في المساء كان الطقس أفضل وكان هناك بعض النسمات الصيفية .. رآها من بعيد ترتدي بنطال جينز مع كنزة صيفية وردية أهداها إياها يوماً , حيته بحماس طفولي وكأنها لم تره منذ أمد .. ثم جلست تثرثر عن يومها وعن صديقاتها وعن أساتذتها في المدرسة .. لو كان الآن في دولة أوربية متحضرة لاعتبر مذنباً إذ يواعد قاصراً .. أبعد هذه الفكرة عن ذهنه بعنف عندما تذكر أنّ ” نيته شريفة ” وأنّه سيتكلم مع أهلها قريباً بشأنها .. ستفوز هذه البلهاء برجل حقيقي سيكون له شأناً يوماً ما .. سحقاً للقوانين المتفزلكة التي تجعلنا نرى الأشياء على غير ما تبدو عليه !

كم تعجبه سذاجتها واندهاشها الدائم , وكم يشعر بالنشوة عندما يرى الانبهار في عينيها عندما يحدثها عن روسو وسارتر .. هو يعرف أنها ستنسى هذه الأسماء بمجرد ما ينقلب الحديث إلى تلك المرأة البدينة في الطاولة المجاورة أو إلى أغنية تلك المغنية الحديثة وهذا يزعجه أحياناً .. لكنه لا يستطيع إلاّ أن يحدثها عن هذه الأشياء .. هذه الأشياء التي يعشقها هو .. ألن يصبح فيلسوفاً يوماً ما كما تقول له سمر ؟في مساءٍ ما بعد عشر سنين من الآن , سيعود حسام إلى المنزل حاملاً بطيخة بيد وكيس ورقي يحوي خضراوات أخرى في اليد الثانية .. ستكون مقدمة رأسه صلعاء تلتمع بعض حبات العرق عليها .. سيلهث متعباً ويلعن هذه العيشة وهذه الحياة التي لم تعرف قيمته .. لكن ليلاً سيكون هناك سمر التي ستظل تضايقه بسذاجتها واندهاشها الطفولي أبداً .. ستعود وتملأ أذنيه بأحاديثها عن الجارات ومشاكل الأولاد الأزلية .. ثم سيحدثها هو عن كامو وروسو وسارتر .. ستتسع عيناها مجدداً في انبهار وكأنها تسمع عنهم للمرة الأولى , ثم ستؤكد له – بخبثها الفطري المتوارث – بأنه سيصبح مثلهم يوماً ما .. وسينام حسام راضياً عن نفسه وعن سمر وعن الحياة !
هديل خلّوف
22-6-2014

13
ديسمبر
13

بوح راشد !


رحلة التسوق لشراء الحفاضات والبقوليات ومتطلبات طبخة اليوم قد تصبح رحلة حقا .. رحلة إلى ذلك الجزء من عقلك الذي لم تدسه أفكارك منذ .. منذ أكثر من عشرين عاما .. رحلة إلى الماضي ..
هناك في قسم الألعاب رأيته .. في المركز التجاري في تلك المدينة الغريبة لكلينا , لم أكن أعلم أنه يعيش في هذه المدينة بالذات ..
لقد كان هو .. بقامته الممشوقة التي سحرتني في تلك الأيام السحيقة , بنظارته الطبية ذات الإطار الفضي , بصبيانية حركاته ونزقه .. لكنها الآن تلبس طقما رجاليا جدا ..
وهذه الخصلات الفضية أهي شيبا على فوديه ؟ مع فادي يكون كل شي ساحرا .. حتى الأربعينات من العمر .. هل تذكر أيامنا يا فادي ؟ هل تذكر تلك الشابة الطائشة المجنونة التي كنتها أنا ؟ هل تذكر ياسمين ؟
—————————————–
من قال أن المرأة في الأربعينات تكون في خريف العمر ؟ تعالوا إذا يا حمقى وشاهدوا ياسمين وهي في الأربعينات لتدركوا فداحة خطأ رأيكم هذا .. أعلم أن ما سأقوله سخيفا وربما لا يصدق ، لكني أقسم لكم بما تؤمنون به بأني رأيتها مصادفة في مركز تجاري في هذه المدينة الغريبة .. لم أكن أعلم أبدا أنها من طائفة المهاجرين ولم أتوقع يوما أن تكون .. أستطيع من موقعي هذا أن أرى ياسمين الجميلة التي زادتها الأربعينات شيئا محببا لا أستطيع وصفه .. خطوط الضحك حول عينيها قد أصبحت أوضح الآن فزادت وجهها إشراقا وجعلته مبتسما دون أن تضطر لافتعال الابتسام والضحك .. ياسمين الآن امرأة مكتملة .. أتساءل إن كانت لا تزال محتفظة بجنونها الشاب الذي قادني للجنون يوما أنا الآخر ..
————————————–
لقد تزوجت من أوربية إذن أيها الشقي .. قال لي هذا شعر طفلك الأصفر جدا .. ألا تزل ذلك المتحذلق المتمرد الذي يرفض الإيمان بأي شيء حتى حبنا في تلك الفترة ؟ مالذي علمتك ياه السنون العشرين الماضية ,ها ؟
كم أود لو أترك ما بيدي الآن وأركض لأعانقك وأتعلق بك بكل جسدي كما كنت أفعل سابقا .. كنت تقول لي بهلع : يا مجنونة , ألا تخافين من عيون الناس حولنا ؟ من أين تأتين بهذا الجرأة كلها يا فتاتي الشرقية ؟
كم أود .. كم أود أن أمتلك عصا سندريلا السحرية الآن , أو .. أو جني علاء الدين ..أو أية وسيلة أخرى لتعيدني إلى ياسمين أوائل العشرينيات .. لو كنت أعرف أني سألتقي بك هنا وفي هذا السن بالذات لارتديت غير هذه الملابس التعسة على الأقل .. لا أريد أن ترى من ياسمين ربة منزل اعتيادية بعدما كنت تراها ربة الجمال والشباب والجنون .. أوبس علي أن أترك علبة الحفاضات هذه من يدي على الأقل .. !
——————————
طفلتك التي تجلس في عربة المشتريات جميلة مثلك ياسمين .. ومظهرك وأنت تتبضعين وترمين علبة حفاضات الأطفال بشيء من العجلة والحرج يعزز في ذهني أنك أنثى حقيقية حقا .. أنثى قادرة على أن تكون عاشقة وحبيبة وزوجة وأما .. إمرأة حقيقية أنت ياسمين .. إن كان هناك ما ينقص في حياتي الماضية فهو رؤيتي لك بالفستان الأبيض .. من الوغد المحظوظ الذي تزوجك ؟ إن التقيت به يوما ما فسأقول له : وغد محظوظ أنت .. حافظ على الياسمين واعتن به ..
كم كنت أحمقا أنا إذ لم أفهم علم الأزهار .. أنا لا أستحق الياسمين ولا الجوري ولا أية ورود محلية ..
رفعت نظارتي إلى فوق أنفي وتظاهرت بالوقار والتحذلق .. ألم تعشق هي هذا يوما ما ؟
………………………………
في أحد المراكز التجارية , وفي قسم الألعاب بالذات , مرت عربتا تسوق باتجاهين متعاكسين وتلامستا للحظة عابرة من جانبيهما .. كان وراء الأولى رجل وسيم أشيب الفودين يركض ابنه وراءه حاملا لعبة .. الثانية تدفعها امرأة اعتيادية المظهر يبدو أنها تتسوق تسوقها اليومي ولا تعير انتباها كبيرا لبكاء طفلتها المزعج ..
في لحظة تلامس العربتين التقت أعينهما وأعطى كل منهما ابتسامة راشدة مهذبة مع هزة بالرأس تفيد بأن كل منهما قد عرف الآخر .. ثم مضى كل واحد بطريقه يلوك خيالاته الشابة وأسئلته التي استيقظت دون أن ترى النور أو الإفصاح !
هديل خلوف
٧ -١٠ – ٢٠١٣




أقسام المدونة

عدد الزيارات

  • 22,590 زيارة جميلة =)

إن كنت مهتماً بما أكتبه , يمكنك أن تسجل عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد =)

انضم 22 متابعون آخرين