09
أكتوبر
14

رجلُ من مدينتنا 2 – فستانك الفيروزي أحلى ..


20141002573
اليوم هو اليوم المُنتظر إيّاه .. تستيقظين صباحاً مع شعور لم يسبق لك أن اختبرته .. تبقين في السرير لبرهة , لا تريدين النهوض .. تعلمين أنّ تفقد حسابك الفيسبوكي هذا الصباح لن يكون بتلقائية الأيام الماضية .. تعبث أصابعك الباردة النحيلة بأزرار الهاتف لا لسبب معين .. أنتِ تريدين إيطال فترة ما بين الاستيقاظ والنهوض ليس إلّا ..

تتساءلين عن موديل الفستان ولونه , هل هو أبيض أم أوف وايت أم بلانسير ؟ هل ستكون الطرحة طويلة أم قصيرة ؟ مكشكشة أم منسدلة ؟ .. وبدلته السوداء الأنيقة , كيف سيبدو بها ؟ هل ستنسدل تلك الخصلة على جبينه ؟ هل سيترك شعره ثائراً أبداً كما عهدتيه أم سيصففه بعناية لم تعرفيها عنه ؟
تقررين النهوض الآن .. تتوجهين إلى المرآة وتتأملين ملامح وجهك بعناية .. تأخذين نفساً عميقاً وتحاولين الابتسام .. من بعد هذا اليوم لن تبقي كما أنتِ, مدللة وطائشة وضعيفة .. هذا اليوم هو الفيصل في حياتك .. تشعرين الآن ببرودة البلاط تلسع رجليك فتسارعين إلى السرير لتتكومي على نفسك وتلتفي بذلك الوشاح الملون الذي أهداك إياه يوماً بعد إحدى الرحلات ..
والآن ؟ تفكرين .. هل حان الوقت لدخول حسابك الفيسبوكي ؟ .. تأخذين نفساً عميقاً ..
قد بتِّ تعلمين في هذه اللحظة كيف هي تصفيفة شعره ولون ربطة عنقه .. رأيك أنّ فستانها الأبيض ليس ” على الموضة ” .. إنك تكرهينها الآن أكثر من أي يومٍ مضى !
كيف جعلت الأيام هذه اللعبة الباردة تقف بجانبه هكذا إذاً ؟ تحاولين التفكير بمنطقية في هذه المعضلة الحزينة .. أنتِ تعرفين الإجابة لكنك فقط لا تتقبلينها ..
لقد كنت تشكلين جزءاً مهماً من عالمه الخيالي المجنون , هذا العالم الذي ينتشي بأشعة القمر ويرتوي بندى الزهر .. لقد كنتِ له فينوس وكليوبترا وغانية هندية في معبدٍ أسطوري سحيق .. وكان هو معبودك الإغريقي وشاعرك العربي وأميرك الشرقي المزركش .. جنونكما كان يعني اشتعال القمر ورقص الآلهة وتفتح الأزهار على جبال الألب .. أشياءٌ من تفاهات الحياة اليومية لم تكن في عالمكما قط , لا يهم ماذا ستأكلان أو أين ستنامان ما دمتما سويةً .. لم يؤرقكما يوماً وجود تلك الصفائح الورقية نتنة الرائحة التي يسمونها مالاً أو عدم وجودها .. لقاؤكما معاً كان يعني الحب .. والمزيد من الحب .. والُسكر في الحب فقط .. ولا شيء آخر ..
ولأنه رجلٌ من مدينتا يا هالة , يبدأ في سن معينة بالعودة إلى فوضى الحياة الواقعية وتفاصيل الأشياء اليومية .. يكتشف فجأة أنّه لا يزال يملك أماً تحرص على مصالحه بجنون وأنّه لا يزال طفلاً جداً أمامها .. يكتشف أنه يريد أن يصبح أباً وأن ابنة الحاج عمر صاحب معمل الصابون قد صارت صبيّة أنيقة ,تجيد صنع المأكولات بدءاً من معكرونة الإندومي وحتى أشهى أطباق ” القبيوات ” و” الفريكة ” ! .. ينظر إليك يا هالة فلا يرى أمامه سوى فتاة خارجة من عالم الأساطير لا تطيق المطبخ ولا تطيقها أمه ! .. يحاول أن يتخيلك تبدلين حفاض طفل رضيع فلا يستطع .. يبعد الفكرة فوراً من ذهنه .. فهذا لا يليق بفتاة القصر المرمري ..
ولأنه رجلٌ من مدينتنا يا هالة .. ترينه بعين خيالك متأبطاً ذراع أمه .. يبتسم في وجه اللعبة الشقراء تلك .. يحيط إصبعها المكتنز بالخاتم الذهبي .. ويصبح رجلاً حقيقياً من رجال مدينتنا البائسة .. تلك المدينة التي تحب الغرق في فوضى الحياة اليومية والتفكير بأشياء تعدينها تافهة من قبيل الطعام والشراب .. ألم يقل غوته على أية حال أن الحب ينتهي بالعيش المشترك والغرق في تفاصيل الحياة اليومية ؟ .. تعزين نفسك بأن السبب هو هذا .. وأن حبكما لم يُكتب له أن ينتهي ..
تغلقين الحاسوب .. وتهرعين إلى الخزانة لترتدي فستانك الفيروزي .. ذلك الفستان الذي قررتي أن تبدأي حياتك الجديدة بارتدائه .. وتبتسمين.. ستودعين إلى الأبد مدينتنا ورجل مدينتنا .. !

هديل خلّوف
8-10-2014

Advertisements

0 Responses to “رجلُ من مدينتنا 2 – فستانك الفيروزي أحلى ..”



  1. اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


أقسام المدونة

عدد الزيارات

  • 22,590 زيارة جميلة =)

إن كنت مهتماً بما أكتبه , يمكنك أن تسجل عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد =)

انضم 22 متابعون آخرين


%d مدونون معجبون بهذه: