22
يونيو
14

رجلٌ من مدينتنا ..


صوت المروحة الرتيب ولسعات البعوض يرهقان الأعصاب , لزوجة الهواء هذا .. وألم ضرس العقل .. هذا يوم مناسب جداً ليتحول إلى قاتل .. هكذا كان يفكر الموظف الحكومي حسام .. لقد قرأ مرة عن رجل قتل آخرين فقط لأنه كان يشعر بالحر ! .. جلس يتذكر أين قرأ هذا .. أين ؟ آ .. ألبير كامو ! .. ابتسم ساخراً وضرب بعوضة على قفا يده .. هاقد بدأ ينسى هذه الأشياء .. كامو وسارتر وفلسفة الوجودية والعبث أشياء صارت بعيدة جداً عن عالمه , مذ تحول من طالب جامعي متحمس إلى موظف حكومي .. لا لا .. ليس هنا .. لقد بدأ ينسى ذاك العالم مذ تعرف إلى سمر .. أحس بأنّه يكرهها عند هذه النقطة .
تررررن .. تررررررررررن .. ترررن .. آلو .. من معي ؟ .. اتصل بعد نصف ساعة فهناك الكثير من المراجعين .. أهلاً .
لملم أوراقه الفوضوية وخطر له أن يتصل بسمر , ثم فكر أن سيجارة مع فنجان القهوة الثالث سيكون مفعولهما مريحاً أكثر لأعصابه .. اتجه إلى النافذة وطفق يراقب المارة وهو يلعن الحياة التي لم تعرف قيمته .
في المساء كان الطقس أفضل وكان هناك بعض النسمات الصيفية .. رآها من بعيد ترتدي بنطال جينز مع كنزة صيفية وردية أهداها إياها يوماً , حيته بحماس طفولي وكأنها لم تره منذ أمد .. ثم جلست تثرثر عن يومها وعن صديقاتها وعن أساتذتها في المدرسة .. لو كان الآن في دولة أوربية متحضرة لاعتبر مذنباً إذ يواعد قاصراً .. أبعد هذه الفكرة عن ذهنه بعنف عندما تذكر أنّ ” نيته شريفة ” وأنّه سيتكلم مع أهلها قريباً بشأنها .. ستفوز هذه البلهاء برجل حقيقي سيكون له شأناً يوماً ما .. سحقاً للقوانين المتفزلكة التي تجعلنا نرى الأشياء على غير ما تبدو عليه !

كم تعجبه سذاجتها واندهاشها الدائم , وكم يشعر بالنشوة عندما يرى الانبهار في عينيها عندما يحدثها عن روسو وسارتر .. هو يعرف أنها ستنسى هذه الأسماء بمجرد ما ينقلب الحديث إلى تلك المرأة البدينة في الطاولة المجاورة أو إلى أغنية تلك المغنية الحديثة وهذا يزعجه أحياناً .. لكنه لا يستطيع إلاّ أن يحدثها عن هذه الأشياء .. هذه الأشياء التي يعشقها هو .. ألن يصبح فيلسوفاً يوماً ما كما تقول له سمر ؟في مساءٍ ما بعد عشر سنين من الآن , سيعود حسام إلى المنزل حاملاً بطيخة بيد وكيس ورقي يحوي خضراوات أخرى في اليد الثانية .. ستكون مقدمة رأسه صلعاء تلتمع بعض حبات العرق عليها .. سيلهث متعباً ويلعن هذه العيشة وهذه الحياة التي لم تعرف قيمته .. لكن ليلاً سيكون هناك سمر التي ستظل تضايقه بسذاجتها واندهاشها الطفولي أبداً .. ستعود وتملأ أذنيه بأحاديثها عن الجارات ومشاكل الأولاد الأزلية .. ثم سيحدثها هو عن كامو وروسو وسارتر .. ستتسع عيناها مجدداً في انبهار وكأنها تسمع عنهم للمرة الأولى , ثم ستؤكد له – بخبثها الفطري المتوارث – بأنه سيصبح مثلهم يوماً ما .. وسينام حسام راضياً عن نفسه وعن سمر وعن الحياة !
هديل خلّوف
22-6-2014

Advertisements

2 Responses to “رجلٌ من مدينتنا ..”


  1. 1 آمنة
    2014/08/13 عند 9:07 مساءً

    عليك ان تكتبي رواية يٌحتضن فيها إبداعك … اتمنى ان يكون غيابك خيراً

    • 2014/08/14 عند 6:19 مساءً

      في الواقع هناك فكرة لرواية قد أبدأها في أي وقت .. أنتظر فقط أن تبدأ الشرارة الأولى لذلك .. أشكرك عزيزتي لسؤالك عني =)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


أقسام المدونة

عدد الزيارات

  • 21,864 hits

إن كنت مهتماً بما أكتبه , يمكنك أن تسجل عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد =)

انضم 22 متابعون آخرين


%d مدونون معجبون بهذه: