24
أغسطس
17

كي لا أنسى .. فرح..


وصل في الثامنة والنصف ليراها جالسة خارجا .. صامتة متحفزة كالقطة التي بجانبها .. أدار المفتاح وفتح الباب لتندفع إلى الداخل هي والقطة .. اعتلت الكرسي “عربشة” وألقت بثقل الحقيبة الصفراء الصغيرة على الطاولة أمامها ثم فردت ألوانها وبدأت بالرسم .. 
قرر أن طاولته اليوم بحاجة إلى التنظيف ، نقل ما عليها إلى الكرسي بجانبه .. وبدأ برش سائل التنظيف ومسحها بقماش قطني .. 
تنبهت الصغيرة واهتزت خصلات شعرها المربوطتين كأذني قطة وهرعت لتمسك سائل التنظيف بصعوبة وبدأت برشه على الكراسي الجلدية المغبرة .
“فتاة جيدة فرح ” قالها بمرح وتابع التنظيف ..
عند الانتهاء أعادا الأغراض سوية إلى المكتب .. لفت نظرها مثقاب الورق وقضت الوقت جذلة وهي تثقب الأوراق هنا وهناك مشكلة فوضى طفولية محببة .
ركضت القطة خارجا فتبعتها فرح وأعادتها .. ” تحبين القطط فرح ؟ ” .. بعد برهة صمت حدجته فيها بعينيها الزيتونيتين الواسعتين .. احتضنت القطة بيدها الوحيدة وقالت بصوت خافت متردد ” بحبن .. بحبن كتير ”
انتبه إلى أنها المرة الأولى التي يسمع فيها صوتها !

اعتاد الموظف الحكومي أبو عبدو أن تكون فرح ذات الأعوام الأربعة ضيفة شبه يومية في مكتب المديرية .. عند تلك الطاولة التي بقرب النافذة كانت تخلق عالمها وتلونه بل وتعيش فيه .. لم يكن في عالمها هذا قنابل وقذائف تقطع الأيدي وتخرب البيوت .. وكانت علاوة على هذا لها غرفتها وطاولتها ككيان مستقل .. ألم تصبح هذه المديرية بيت أبويها مذ اندلعت الحرب ؟ ألم يصبح اسمها “ابنة المقيم” ؟
هاقد انتهى الدوام .. بدأ الموظفون بالترتيب للخروج من مكاتبهم .. انتبهت فرح وخرجت من عالمها ورتبت أغراضها في حقيبتها الصفراء بصمت أبدي .. جرجرتها وراءها بيدها الوحيدة تتبعها قطتها .. أراد أبو عبدو أن يهرع إلى أبيها ليبشره بأن ابنته قد عادت إلى الكلام وأخيرا .. ثم انتبه أنها لاتزال تملك يدا وحيدة .. أقفل مكتبه وانصرف ..

هديل خلوف
23-08-2015

11026107_896260633754424_2920220930980148841_o

Advertisements
28
يوليو
17

يوم =)


لم يكن ذلك اليوم مميزاً بشكل خاص , فالشمس لن تتحول إلى اللون الأزرق وطائر السنونو سيظل يحلق ويصدر تلك الأصوات المؤلمة .. لا لم يكن يوماً معلّماً على الروزنامة بدائرة حمراء أو إشارة x صغيرة ..
كان يوماً من أيام آذار , ذلك الشهر المزاجي جداً ..
ارتدت لميا ما ترتديه عادةً ومارست طقوسها نفسها قبل أن تخرج من المنزل , الطرقات المملة هي نفسها وسوف ترى الأشخاص إياهم ممن تراهم كل يوم .. أحياناً ترواد نفسها أمنية أن ترى مخلوقاً عجيباً قادماً من الفضاء الخارجي ( على ألّا يكون لونه أخضر أرجوكم ! ) , كيف تصبح محظوظة مثل أولئك الذين تعج بهم الكتب التي تتحدث عن اليوفو والمركبات الطائرة ؟ .. أوووف .. فتحت مظلتها وتابعت السير ..
لم لا تطير كسنبل ؟ أو تتحول مظلتها إلى قبعة الإخفاء ؟ أو .. أو تنقلب بفعل الهواء الشديد مثلاً فتضحك هي ومن رآها من المارة ؟ سيكون هذا مسلياً للحظة على الأقل .. تخيلت ألا يكون معها مظلة أبداً ويشتد المطر ويشتد فتهرع لتقف تحت أحد المباني , وهناك من الزاوية يخرج شاب يرتدي معطفاً أنيقاً يمشي مسرعاً مطرقاً كالمحققين , ثم .. ثم يراها واقفة مبتلة مرتجفة وحيدة كقطة فيمد لها يده بالمظلة وتبدأ أجمل قصة حب في تاريخ البشرية ! .. واو .. ” ولكن .. لنفكر بعدل .. هذه بداية مبتذلة جداً التهمتها آلاف الروايات والمسلسلات .. لا أريد أن ألتقي بفارس أحلامي على هذه الطريقة القديمة .. مظلتي عودي إلي أرجوكِ ! ” .. اشتد الهواء واشتد المطر , وبدأت المظلة فعلاً ترواغ بين أيدي صديقتنا ! وهنا خطرت لها فكرة !
“ماذا لو تركت المقود لمظلتي ؟ سوف تلعب محل الذراع التي تقود تلقائياً إلى الأحرف في جلسات تحضير الأرواح .. سوف أقوم بتحضير طريقي اليوم ! ”
تطير المظلة إلى اليمين فتستدير لميا إلى اليمين وتتابع المشي , وهكذا صار تمشي ومظلتها تسبقها .. وهي تمسك بكلتا قبضيتها عليها لئلا تفلت ..
خمدت الريح وتوقف المطر تدريجياً , اضطرت لميا آسفة على إغلاق المظلة ورذاذ المطر الربيعي قد بات يضرب وجهها الآن .. وقفت في تقاطع طرق , إلى جانب بحيرة صغيرة كونها المطر .. احتارت ماذا تفعل .. لم تقدها المظلة إلى “أرض العجائب ” أو حتى إلى مدرستها على الأقل ! لقد انتهت اللعبة وعليها أن تعود الآن إلى طريقها القديم ..
تأخرت لميا ربع ساعة عن الصف , لأول مرة في حياتها تتأخر عن دروسها ولدهشتها الشديدة كم وجدت لذة في ذلك !
منذ ذلك اليوم , قررت لميا أن تجرب أشياء جديدة .. طرقاً جديدة .. مشاعراً جديدة .. ألعاباً جديدة .. اكتشفت أن الحياة في حد ذاتها تحوي ألف قصة مغامرات وألف رواية .. لا تحتاج إلى رؤية كائن فضائي أو أن تطير بمظلتها لتصبح سعيدة .. عليها أن تكسر عاداتها فقط ..

هديل خلّوف

26.07.2014

18157029_1325988134115003_5041472568287028010_n

11
أبريل
17

يوميات الشمال – أزهار الكرز التي تخفي الكثير.. 


اكتشفت مؤخراً، وبعد ما يزيد عن العشرين ربيعاً، أنّي لم أرَ الطبيعة بطقوسها الاحتفالية الحقيقية من قبل! أنا التي كانت تجن احتفالاً عند رؤيتها لفراشة صفراء تكاد أن تصفع وجهها في طريقها للعمل ترى عيناها اليوم انفجاراً طبيعياً ربيعاً بكل ما أوتي الربيع من خصب وحياة! أعشاب متسلقة في كل مكان.. ورود أعرفها ولا أعرفها تصبّح علي.. وأزيز نحل وزقزقة عصافير و”نطوطة” سنجاب ما هنا وهناك.. والأخضر والأخضر في كل مكان.. وروائح الفانيليا والغاردينيا والتوليب.. كل تلك أشياء لا يحتملها حس اصطياد الجمال الذي لدي.. يا إلهي.. لا ينقصني سوى غيمة لأعيش عليها وسط هذا كله! .. يا إلهي.. مدني بآلاف ببطاقات الذاكرة مديدة الجيغاغات! 

ثم كانت أشجار الكرز.. أشجار الساكورا التي ظننت أنّي لن أراها بهذه الكثرة إلا في الجزر اليابانية.. تظلل بتلاتها طريقي وتناديني باستمرار لألتقط لها الصور..

 صباحاً وعند عودتي مساءً أراها.. هناك بين أشجار الكرز تدفع عربتها أمامها تمشي على مهل.. تنتبه دوماً لحضوري وتسارع بابتسامة لتقول لي ” هالو” ثم تعاود الالتفات لصغيرها وتكمل حديثها اللانهائي معه.. أفكر دوماً.. هل يمكن للحياة أن تكون أجمل من هذا؟ تنزهات لانهائية من غير ملل أو كلل وأحاديث طفولية بين بتلات الكرز! 

البارحة خطر لي أن أنظر إلى العربة متمعنة، كي يتسنى إلي أن أختبر لغتي الوليدة.. فأقول لها طفلك جميل أو ما شابه.. أن أفتح حديثاً بالألمانية يعني.. عل وعسى تنحل عقدة من لساني.. اقتربت من السيدة ذات العربة وبتلات الكرز تتطاير في الهواء فيحمل نسيمها رائحة عطرية خفيفة وتعلق البتلات في شعري فأصبح كإحدى الشخصيات الكرتونية.. اقتربت فبادرتني كعادتها بابتسامة مع هالو.. رمقت الطفل الراقد.. الطفل ذو البشرة البلاستيكية والعيون الزجاجية والشعر الخيطي الأصفر! 

لم أستطع أن أقول لها ” ياله من طفل جميل”..  كيف يمكن أن يطري المرء دمية؟!  كل ما استطعت فعله هو أن أسرع الخطى إلى المنزل لأستطيع استيعاب ما رأيته.. لأستطيع أن أبتلع كل دفقة الشفقة المفاجئة التي اعترتني.. كانت بتلات الكرز لاتزال تتطاير في الهواء.. وتحول المشهد لدي من حفلة ربيعية رومانسية إلى رعب قوطي هارب من أحد الأفلام اليابانية! 

07
فبراير
17

“في حارتنا “جب! 


​في حارتنا جب ..

جميع الأنظار تتجه إلى هناك .. الكبار والصغار .. أشقياء الحارة وعقلائها .. جميعهم يقف رافعو الرؤوس .. شادهو الأبصار .. في مشهد احترت هل يبدو سيريالياً أم كوميدياً بحتاً جديراً بقنواتنا التلفزيونية المحلية ..

والوحش لا يهدأ .. يرتفع إلى الأعلى فترتفع معه الرؤوس والأبصار ، ثم يترك نفسه في سقوط حر إلى غياهب الأرض فيطلق أحد الصبيان – ذاك الذي كان يضع إصبعه في منخره قبل قليل- شهقة تعبر عن مفاجئته واستمتاعه بمشاهدة كل هذا معاً ! 

وحول كل هذا بحيرة طينية كبيرة جديرة ببقعة جغرافية ما من العالم غير هنا .. من الصعب حقاً أن تتخيل يوماً أن ترى في حارتك مستنقعاً طينياً يسبح فيه مجموعة من الخنازير الوردية في جذل .. أو أو يمد بين الفينة والأخرى فرس النهر رأسه ثم يتثاءب في رضا .. هذا عداك عن التماسيح التي تجول هنا وهناك ! أو .. لا لا .. أظن أنّي قد خلطت بين ما تخيلته بينما كنت واقفة هناك وما بين ما كان يحدث حقاً .. !

والوحش يتابع عمله .. ويستكشف أكثر وأكثر في غياهب الأرض الجافة .. والصبيان الأشقياء لا يملون المشهد .. وكبارية الحارة يجلسون على كراسيهم أمام دكاكينهم الصغيرة أو “بالمعيّة” مع جيرانهم ممن يمتلكون دكاكين صغيرة .. وأنا يتسخ حذائي كل يوم بالطين !

قريباً سيحقق هذا الوحش إنجازاً أسطورياً .. سوف يزعق أن وجدتها وجدتها ! وسوف تنساب المياه المالحة في عروق الأرض (الخراطيم البلاستيكية) لتغذي المنازل المتهالكة .. مياه غنية بشوارد الكالسيوم والمغنزيوم والصوديوم بل وربما الرصاص والذهب أيضاً ! فمن يدري ؟

البعض سيشرب هذه المياه التي تحمل ألف قصة وقصة .. سيدع رفات مئات بل عشرات بل ملايين الأحياء تندمج مع أنسجته الحيّة في صمت .. والبعض سيكتفي باستخدام هذه المياه البيضاء الصلبة في تلميع الأثاث وغسل الأرضيات وفرك أصابعه بالصابون الذي أعرض عن صنع الرغوة .. وسيهرع إلى استخدام مدخراته الثمينة ليحصل على مياه مدللة مصبوبة في قناني بلاستيكية!

على أيّة حال لا يمكننا إلا بالشعور بالامتنان لهذا الوحش العزيز .. والبركة الطينية .. والحفرة السحيقة على الرصيف والتي يقبع في داخلها ألف مارد وجنيّة .. إذ أيّها السادة .. لقد أصبح في حارتنا “جبّ” ! 

هديل خلّوف
07/02/2016

23
يناير
15

طاحونة اللون الأرجواني..


image

في طفولتي ، كان هناك ذلك المسلسل الفنزويلي المخصص لليافعين والذي كان يدعى “شلة السبعة ” .. كنت شغوفة بهذا المسلسل وأستطيع القول أني كنت أنتظره بالساعة والدقيقة .. شلة السبعة هؤلاء هم سبعة أطفال أشقياء يقطنون في ذات المبنى ويؤلفون شلة للمرح واللعب،  وكان هنالك بالطبع الشخصية الشريرة المتمثلة ب”لولا” منظفة الدرج والتي كانت تمنعهم من اللعب على درج البناية وتحيل حياتهم جحيماً ( بالطبع كنت أراها شريرة وقتها كوني كنت ألعب على درج البناية بدوري ،  لكني الآن أرى أن معها كل الحق في ذلك)  .. المهم .. كانت الشلة تتألف من أربعة صبيان وثلاث فتيات على ماأذكر .. كانوا واسعي الخيال والحيلة إذ استبدلوا مكان لعبهم على الدرج باجتماعهم في قبو المبنى – وذلك اتقاءً لشر لولا – وهناك اتضح لهم أن قبو المبنى ليس قبواً عادياً ! كان هناك صندوق ناطق وكائنات عجيبة وبعداً آخر من الحياة يقيم هناك على الجانب الآخر من الحائط .. حلقات المسلسل كانت متعة ومشبعة للخيال .. ثم جاءت تلك الحلقة التي استيقظت فيه فانيسا الرقيقة اليافعة لتجد أن جسدها قد سلك طريق البالغين !
تنزل فانيسا إلى القبو لتجتمع مع الشلة كما اعتادت أن تفعل لتكتشف هناك أن القبو قد استحال قبواً عادياً !  تستفسر من الشلة متعجبة فيتعجبون منها أكثر ويأكدون لها أن كل شيء على حاله .. هو ذا الصندوق الناطق وذاك هو الجدار السحري وكيف لا ترينها يا فانيسا؟ !
بونيتو ( أصغر أفراد الشلة وأكثرهم ذكاءً ) يشغله موضوع فانيسا فيبدأ باستنطاق الصندوق عن ذلك عندما يتركونه في القبو .. ولأن الصندوق يعلم كل شيء ، يجيب بأن فانيسا قد خطت اليوم أول خطوة في عالم البالغين وأنها لم تعد منهم ولذلك فهي لن تعود قادرة على رؤية عوالم أخرى عدا عالم الواقع !
لقد ارتدت فانيسا نظارة الواقع إذاً .. وأصبح القبو قبواً عادياً بكراكيبه التي تنتمي إلى العالم المنطقي .. لا كائنات عجائبية .. لا صندوق ناطق ..لا سحر ..
لا أعرف لم أتذكر فانيسا كثيراً في هذين اليومين!  الأمر ربما أني قد بدأت أنا الأخرى بارتداء النظارة المقيتة تلك .. تلك الجذوة التي تحملها روحي والتي تقوم بتغذية عالمي الافتراضي الخاص بي صارت أضعف وأضعف مع كل ذاك الغبار والضوضاء التي تنهال من عالم الواقع عليها.. الأمر أني قد صرت أكثر ارتباطاً بعالم الواقع يوماً عن يوم دون إرادة مني،  إن سني ومركزي الاجتماعي قد باتا يفرضان علي أشياءً وقوالباً لم أكن أتعامل معها قبلاً.. والعوالم الساحرة التي يتناولها الأدب والسينما قد باتت بعيدة جداً والتماهي معها صار ترفاً لايسمح به وقتي أو مسؤولياتي .. عالم البالغين اللعين بواقعيته وصرامة قواعده قد دخلته فانيسا عبر نضج جسدها وأنا عبر وفاة آخر شيء يربطني بالعالم الذي أوجدته لنفسي يوماً ..
لكن تعلمون ماذا؟  أنا لست فانيسا التي لا تستطيع السيطرة على نمو جسدها .. انا الآن أعرف المشكلة ولايزال بإمكاني إنقاذ ما تبقى من الجذوة .. سأحاول ما أمكن اعتزال هذا العالم الممتص للطاقة الروحية ولو كلفني ذلك أن أصبح متوحدة مع ذاتي .. سأقاوم طاحونة الخيال هذه.. وسأسترجع قبو الأشياء السحرية ذاك لأنقذ ماتبقى من اللون الوردي !
                                                        هديل خلوف
23-01-2015

23
أكتوبر
14

عن متع الحياة الصغيرة ر^^


174641_150267905029883_2310254_n[1]
أن تعيش ضمن حرب وفي أخطر مدينة في العالم لهو أمرٌ لا يشهده الكثير من الناس , أنا نفسي لم يكن يخطر لي في أكثر كوابيسي جموحاً أنّي سأكون من أولئك المنحوسين الذين سيشهدون حرباً, ومتى ؟ في أكثر المراحل شباباً وانطلاقاً !

لن أحدثكم عن حصاد الموت في مدينتي , وعن الرعب في الشوارع والأزقة .. لن أحدثكم عن انقطاعات الكهرباء وبقائنا لأسابيع دونما مياه أو خبز أحياناً .. لن أحدثكم عن فقد الأحبة المفاجئ أو سفرهم إلى خارج البلاد دونما رجعة .. سأحدثكم أيها الأصدقاء عن المتع الصغيرة التي لا تزال موجودة والتي تمد لسانها في وجه الموت والكآبة وتنعش أرواحنا ..

اليوم حضرت فعالية بسيطة في فكرتها وتنظيمها , كبيرة جداً في روحها .. يمكن تسميتها معرضاً للتصوير الضوئي .. الفكرة هي أن تتحدث الصور عن مدينة حرب , لكن ليس عن موتها وخرابها , وإنما عن الحياة اليومية فيها .. عن زوايا مبهجة وابتسامات لا تزال تعبر عن نفسها بنفس عناد الموت .. كنا سبعة من الأصدقاء في عمر الشباب وكانت القاعة تضج بالشباب أيضاً .. سيلفيات وضحك ومشاهدة لوحات والاشتراك بالمسابقة ثم الضحك مجدداً والوقوف عند كل لوحة والتأمل بتلك المشاهدات التي جمدها الزمن من مدينتنا المتعبة .. كانت هناك لوحة لرجل عجوز يضحك من كل قلبه .. لوحة لفتاتين مراهقتين تقفان في الطريق وتتناقشان وتضحكان حول أمر ما .. لوحة لشاب على دراجة هوائية تظلله طوال الطريق ورود قرمزية تتدلى من إحدى الجنائن .. كتاب مفتوح تتطاير وريقاته فوق عشب .. كانت الصور تتحدث وفي داخل القاعة كان هناك حياة .. رغم وجود عدد ممن شوهت الحرب أجسادهم إلا أن الأرواح لاتزل صافية لم تتشوه ولا أعتقد أن هكذا أرواح ستتشوه مهما فعل بها هذا الزمان اللعين .. لقد ردت لي هذه الزيارة جزءاً من نفسي كنت قد افتقدته مؤخراً ..

عدنا إلى بيوتنا بعدما مشينا في ظلمة الطرقات .. سبعة أصدقاء أصحاء في عمر الشباب يضحكون ويتقافزون على الأرصفة .. في يد كل واحد لوحة !

غداً هو يوم عطلة .. والذي بعده .. سآخذ بعد قليل حماماً ( إذ أن الماء قد زارت صنابيرنا اليوم بعد انقطاعها لأسبوع ! ) ثم سأشاهد فيلماً , ومن ثم أقرأ قليلاً في قصة الحضارة .. لأنام في وقت متأخر على أنغام أغانيي المفضلة .. ياإلهي كم أشعر بالسعادة الآن ! ^_^

* من المعرض :

4

09
أكتوبر
14

رجلُ من مدينتنا 2 – فستانك الفيروزي أحلى ..


20141002573
اليوم هو اليوم المُنتظر إيّاه .. تستيقظين صباحاً مع شعور لم يسبق لك أن اختبرته .. تبقين في السرير لبرهة , لا تريدين النهوض .. تعلمين أنّ تفقد حسابك الفيسبوكي هذا الصباح لن يكون بتلقائية الأيام الماضية .. تعبث أصابعك الباردة النحيلة بأزرار الهاتف لا لسبب معين .. أنتِ تريدين إيطال فترة ما بين الاستيقاظ والنهوض ليس إلّا ..

تتساءلين عن موديل الفستان ولونه , هل هو أبيض أم أوف وايت أم بلانسير ؟ هل ستكون الطرحة طويلة أم قصيرة ؟ مكشكشة أم منسدلة ؟ .. وبدلته السوداء الأنيقة , كيف سيبدو بها ؟ هل ستنسدل تلك الخصلة على جبينه ؟ هل سيترك شعره ثائراً أبداً كما عهدتيه أم سيصففه بعناية لم تعرفيها عنه ؟
تقررين النهوض الآن .. تتوجهين إلى المرآة وتتأملين ملامح وجهك بعناية .. تأخذين نفساً عميقاً وتحاولين الابتسام .. من بعد هذا اليوم لن تبقي كما أنتِ, مدللة وطائشة وضعيفة .. هذا اليوم هو الفيصل في حياتك .. تشعرين الآن ببرودة البلاط تلسع رجليك فتسارعين إلى السرير لتتكومي على نفسك وتلتفي بذلك الوشاح الملون الذي أهداك إياه يوماً بعد إحدى الرحلات ..
والآن ؟ تفكرين .. هل حان الوقت لدخول حسابك الفيسبوكي ؟ .. تأخذين نفساً عميقاً ..
قد بتِّ تعلمين في هذه اللحظة كيف هي تصفيفة شعره ولون ربطة عنقه .. رأيك أنّ فستانها الأبيض ليس ” على الموضة ” .. إنك تكرهينها الآن أكثر من أي يومٍ مضى !
كيف جعلت الأيام هذه اللعبة الباردة تقف بجانبه هكذا إذاً ؟ تحاولين التفكير بمنطقية في هذه المعضلة الحزينة .. أنتِ تعرفين الإجابة لكنك فقط لا تتقبلينها ..
لقد كنت تشكلين جزءاً مهماً من عالمه الخيالي المجنون , هذا العالم الذي ينتشي بأشعة القمر ويرتوي بندى الزهر .. لقد كنتِ له فينوس وكليوبترا وغانية هندية في معبدٍ أسطوري سحيق .. وكان هو معبودك الإغريقي وشاعرك العربي وأميرك الشرقي المزركش .. جنونكما كان يعني اشتعال القمر ورقص الآلهة وتفتح الأزهار على جبال الألب .. أشياءٌ من تفاهات الحياة اليومية لم تكن في عالمكما قط , لا يهم ماذا ستأكلان أو أين ستنامان ما دمتما سويةً .. لم يؤرقكما يوماً وجود تلك الصفائح الورقية نتنة الرائحة التي يسمونها مالاً أو عدم وجودها .. لقاؤكما معاً كان يعني الحب .. والمزيد من الحب .. والُسكر في الحب فقط .. ولا شيء آخر ..
ولأنه رجلٌ من مدينتا يا هالة , يبدأ في سن معينة بالعودة إلى فوضى الحياة الواقعية وتفاصيل الأشياء اليومية .. يكتشف فجأة أنّه لا يزال يملك أماً تحرص على مصالحه بجنون وأنّه لا يزال طفلاً جداً أمامها .. يكتشف أنه يريد أن يصبح أباً وأن ابنة الحاج عمر صاحب معمل الصابون قد صارت صبيّة أنيقة ,تجيد صنع المأكولات بدءاً من معكرونة الإندومي وحتى أشهى أطباق ” القبيوات ” و” الفريكة ” ! .. ينظر إليك يا هالة فلا يرى أمامه سوى فتاة خارجة من عالم الأساطير لا تطيق المطبخ ولا تطيقها أمه ! .. يحاول أن يتخيلك تبدلين حفاض طفل رضيع فلا يستطع .. يبعد الفكرة فوراً من ذهنه .. فهذا لا يليق بفتاة القصر المرمري ..
ولأنه رجلٌ من مدينتنا يا هالة .. ترينه بعين خيالك متأبطاً ذراع أمه .. يبتسم في وجه اللعبة الشقراء تلك .. يحيط إصبعها المكتنز بالخاتم الذهبي .. ويصبح رجلاً حقيقياً من رجال مدينتنا البائسة .. تلك المدينة التي تحب الغرق في فوضى الحياة اليومية والتفكير بأشياء تعدينها تافهة من قبيل الطعام والشراب .. ألم يقل غوته على أية حال أن الحب ينتهي بالعيش المشترك والغرق في تفاصيل الحياة اليومية ؟ .. تعزين نفسك بأن السبب هو هذا .. وأن حبكما لم يُكتب له أن ينتهي ..
تغلقين الحاسوب .. وتهرعين إلى الخزانة لترتدي فستانك الفيروزي .. ذلك الفستان الذي قررتي أن تبدأي حياتك الجديدة بارتدائه .. وتبتسمين.. ستودعين إلى الأبد مدينتنا ورجل مدينتنا .. !

هديل خلّوف
8-10-2014




أقسام المدونة

عدد الزيارات

  • 22,400 زيارة جميلة =)

إن كنت مهتماً بما أكتبه , يمكنك أن تسجل عنوان بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد =)

انضم 23 متابعون آخرين